الجاحظ

185

العثمانية

وارتدت العرب وانتقضت العهود ، وظهر النفاق وماج الناس ، فوثب رجل من عرض أصحابه ، فلم يزل باللين والشدة ، والكف والاقدام ، والبطش والحيلة ، حتى رده في نصابه ، وأعاده كأحسن عادته ببذل النفس فما دونها ( 1 ) ، لقد كان صنع صنيعا عظيما ، وفعل فعلا كبيرا . فكيف برجل قام بأمر الاسلام وقد هتكت أستاره ، وتقطعت أطنابه ، ومرجت عهوده ( 2 ) منفرد ( 3 ) بالرأي غير مستعين عليه ، ولا مستوحش ( 4 ) إلى غيره ، بل خالفه الجميع في صوابه ( 5 ) وما أوجده الرأي ، ودل عليه النظر من عزمه ، وقد أبى إلا صرامة وبصيرة وثقة ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد مات غير مخوف ولا متوقع قدومه ، فرد أهل الردة قاطبة ما بين أعلى الحيرة ، إلى شحر عمان إلى أقاصي اليمن ، وقمع النفاق بالمدينة وما حولها ، وقتل مسيلمة واستفتح اليمامة ، وأسر طليحة ، ثم أوطأ خيله الشام ، وجند الأجناد ، ومنع الحوزة ، ووطأ الامر ، وقتل العدو بكل مكان . ثم لم يستأثر بدرهم ، ولم يكنز دينارا ، ولم يخلف درهما ، ولم يتفكه بغنيمة ، وجعل عمالته مردودة على بيت مال المسلمين ، ولذلك قال عمر : " رحم الله أبا بكر لقد شق على من بعده " . فما الشئ الذي لو كان على هو القيم به كان أجزأ منه ، وبلغ منه ما لم يبلغه . وكيف يكون على أجزأ منه ولم تغلق الفتوح إلا في زمانه ، ولم نكن الفتن إلا على رأسه ، ولم تخرج الخوارج إلا عليه . وهذا

--> ( 1 ) في الأصل : " فيما دونها " . ( 2 ) مرجت العهود : اختلطت وقل الوفاء بها . ( 3 ) في الأصل : " ومنفرد " . ( 4 ) كذا في الأصل . ( 5 ) في الأصل : " وفصوابه " .